عزيزي نوعم,
منذ أكثر من سبع سنوات لم نلتقي. وسائلنا إليك, ذات الاتجاه الواحد تلك, تأخذ بالتباعد الواحدة عن الأخرى. أما هذه فرسالة خاصة, إذ أن آخرين سيقرأونها, خلافا للرسائل السابقة.
في 16/6 اجتزنا يوم مولدك. بصمت, بصمت. دون كعكة, دون بالونات ودون هدية. وكعادتنا ذهبنا مع أمك لزيارة قبرك, أو في واقع الحال المكان الوحيد الذي لم يكن يفترض بك أن تكون فيه.. كان ينبغي أن تكون الآن ابن 29، لو أن، لو أن… يذهب العقل التفكير فيما كان يمكن وما كان ينبغي أن يحصل لو أن… أعود الى ذاك اليوم الفظيع المرة تلو الأخرى – 12 نيسان 1999, عشية ذكرى الكارثة. وبعد خمسة أيام ستكون حرا. نهاية الخدمة العسكرية. نهاية الكابوس اللبناني. أمك أعطتك دبوس شعار أربع أمهات – للخروج بسلام من لبنان – قبل أن تغادر البيت. نحن بيت عقلاني. ومع ذلك, فمن قبيل الحجاب, الصلاة التي ترافقك, رغم أنك قلت انك لن تصعد هذه المرة … بعد موتك, تبينت صورة مغايرة. صعدت من منطلق الواجب تجاه رفاقك. لم ترغب في أن تبقى مدينا. فالعبء يجب أن يتوزع بالتساوي. على الأقل داخل الوحدة. لم تؤمن بالحاجة للبقاء في لبنان. وقد أوضحت ذلك جيدا للقادة حين أصريت على حقك في حمل الدبوس قبل خروجك الى المهمة الأخيرة. الحق في التظاهر في سبيل رأيك, حتى ضد القواعد. وغلبتهم، إذ ماذا…؟ أكانوا يتنازلون عنك…؟ المقاتل الأكثر خبرة في الوحدة؟ فليتظاهر كما يشاء! وهكذا خرجت وقدت القوة الى سفوح جبل البوفور بمهنية, بتفكر. والدليل – هم لم يصابوا, أحد لم يصب بأذى, باستثنائك. بعد بضعة أيام من ذلك أعاد لنا قادتك الدبوس الذي نزعوه عن بزتك المضرجة بدمائك, والكاميرا المصابة التي حملتها معك, والتي هي أيضا أعطيتك إياها قبل خروجك الأخير, كي تخلد آخر أسبوع لخدمتك…
ومع هذه الصورة التي لك، صورة الفتى المبتسم, غير الهيّاب, المفعم بالحيوية والحكمة, البريق الثقافي, محب السلام والمتظاهر في سبيله, خرجنا للجمهور. في البداية وحدنا, وبعد ذلك في منتدى العائلات كي نثبت – ويظهر أن هناك حاجة للإثبات إذ أن هذا ليس مسلما به بالنسبة لكثيرين – في أن قدسية الحياة ليست مجرد عبارة فارغة. قلنا – تصوروا بأنفسكم ماذا انقطع بوفاة نوعم, أي طاقة كامنة لم تتحقق. وضاعفوا هذا بمئات وآلاف القتلى الآخرين الذين ماتوا قبل أوانهم إذ أن الحرب مستمرة, إذ أن زعماء الطرفين ينقصهم الخيال, الشجاعة, الجسارة, الرؤيا, المسؤولية لوضع حد للنزاع المجنون. أصبحت بالنسبة لي رمزا وعلما في هذا الكفاح الذي لا ينتهي من أجل السلام. فأنا أروي عنك, أكتب إليك وأرسمك. لا أنساك للحظة. أحاول أن أحمل الآخرين على التماثل مع صورتك ومع ألمي كي أزيحهم عن عدم الاكتراث. غير أنه ليس خيال المقربين منك هو وحده ما أشعلت, الضحية الأخير لليوبيل الذهبي للدولة… في أعقاب سقوطك كتبت سيلفي كيشت في زاويتها في “يديعوت احرونوت” تحت عنوان الضحية الـ 18.939: كلما مرت السنون تفطر القلب, واشتعل الغضب على سياسة الكوارث, عديمة الإحساس, التي قادت الى مسيرة السخافة, ببضعة حروب زائدة لا داعي لها.
حرب 1956, التي كانت إمبريالية. حرب يوم الغفران التي كان يمكن منعها لو أن غولدا وغليلي وسياسة موشيه ديان في أن خير شرم الشيخ بلا سلام من سلام بلا شرم الشيخ.
والحرب الغبية والطويلة في تاريخنا، حرب لبنان.
ودون المس بذكرى الضحايا بآلافهم, يتلبث الخيال عند الضحية الـ 18.939, نوعم برنيع, بكل بهائه, الذي قتل مع الدبوس للخروج بسلام من لبنان على طرف قميصه العسكري.
في هذه الأيام يعرض فيلم (البوفور) حسب سيناريو يستند الى قصة صحافي آخر, رون ليشم (إذا كانت هناك جنة) أهداه لك ولجندي آخر, تساحي ايطاح, الذي سقط على ذات الجبل الملعون, البوفور. رون ليشم عرض قصة صورتك وسقوطك في كتابه عن أساس القصة المثيرة لشاب عرفك في أيامك الأخيرة ورافقك في العملية التي لم تعد منها. من المذهل كيف أنك في هذا الوقت القصير أسرت قلوب الجنود وجعلتهم يضعون صورتك كقيمة رائدة في تجربة حياتهم في خدمتهم العسكرية.
وفي هذه الأيام تماما, يبدو وكأن كل ما شهدناه وعرفناه عن تلك الحرب الغبية, حرب لبنان, قد نسي وكأنه لم يكن. مرة أخرى طبول الحرب, مرة أخرى التفكير البدائي في أن القوة ستفعل كل شيء. مرة أخرى يضحون بحياة الناس بسهولة لا تطاق…

هاك يا بني, أنت ترى, كفاحنا المشترك لم ينته…! سأعود إليك المرة تلو الاخرى كي أستمد منك القوة النفسية…

بإخلاص, بحب بلا حدود,
أبيك