مشروع الروايات التاريخية

مشروع الروايات التاريخية2020-09-20T20:07:22+03:00

مشروع يجمع بين مجموعات مختلفة من الإسرائيليين والفلسطينيين, بهدف التعرف على الرواية الشخصية والقومية للـ”آخر”

تجربة التعلم في اللقاءات تقوم على الدمج بين المعلومات الوطنية-التاريخية وبين قصص المشاركين الشخصية والعائلية

يولد البشر برغبات, تطلعات وطموحات ويسعون طوال الوقت إلى تحقيقها. إلا أنه في المجتمعات التي تعيش صراعاً متواصلاً هذه الرغبات والتطلعات يتم تحديدها في كثير من الأحيان بحسب رواية المجتمع الذي يولد فيه الإنسان. قصة المجتمع ومفاهيمه وعقائده هي التي تفرض إلى حد كبير مكان الإنسان ودوره.
الروايات التي نولد فيها تعتبر في نظرنا حقيقة, وهي في كثير من الأحيان تقود كل طرف من أطراف الصراع إلى عدم الاعتراف بغير قصته ومآسيه. فالبعد الجغرافي والحسي الفاصل بين المجتمعين المتصارعين لا يفسح المجال أمام إصغاء كل منهما للآخر, كما لا يتيح التعرف على الـ”آخر” واللقاء به.
انطلاقا من هذا الإدراك بادر منتدى العائلات الثكلى إلى إطلاق مشروع الروايات. ونحن لا نسعى من خلاله إلى محوّ أو تأكيد هذه الرواية أو تلك, إنما نتطلع إلى القيام برحلة تسبر أغوار التاريخ الشخصي والقومي للأطراف, من خلال الحوار المعمق, الإحترام والإدراك بأن في كل رواية شخصية وقومية تنطوي حقيقة ما.
المشروع الذي إبتدأ سنة 2010,  موجه للجمهور الواسع ويعمل على عقد لقاءات بين مجموعات مختلفة من الإسرائيليين والفلسطينيين (حوالي 15 إسرائيليا و 15 فلسطينيا في كل مجموعة) سعياً إلى التعرف على الرواية الشخصية والقومية للـ”آخر”, كخطوة هامة على طريق المصالحة بين الشعبين.

جولة في قرية لِفتا – مجموعة ״شباب״ مشروع الروايات

تقوم تجربة التعلم في هذه اللقاءات على الدمج بين المعلومات القومية التاريخية من جهة, وقصص المشاركين الشخصية والعائلية من جهة أخرى. وتشتمل الفعاليات على محاضرات يقدمها مؤرخون فلسطينيون وإسرائيليون حول موضوع الروايات القومية المتوازية, وعقد جولات للتعرف على المآسي القومية في كل من متحف “ياد فاشيم” للتعرف على موضوع “المحرقة النازية”, وقرية “لِفتا” التي هُدمت سنة 1948, للتعرف على النكبة الفلسطينية, كما تشتمل على حلقات حوارية مختلفة والمزيد.
موجهو اللقاءات هم من أعضاء المنتدى, وعلى الرغم من تناولهم لمواضع حساسة فإنهم يحرصون على خلق حيز آمن يتيح لجميع المشاركين إجراء حوار يقوم على التعاطف والاحتواء, والاطلاع على رسائل الحوار والمصالحة التي يطرحها منتدى العائلات, وفهم أهمية الاعتراف بالـ”آخر” وبروايته في الطريق إلى تحقيق المصالحة.
إنها رحلة مركبة ومعقدة, مليئة بالآلام و التحديات.
خريجو البرنامج, من الإسرائيليين والفلسطينيين, اكتسبوا مع انتهاء سيرورة مشروع الروايات التاريخية فهما جديداً للصراع وباتوا ينظرون إلى الطرف الآخر نظرة مغايرة, ويؤمنون بإمكانية المصالحة, كما قد تولدت لديهم الرغبة بالمحافظة على العلاقة مع بعضهم البعض والعمل سوية من أجل إحداث التغيير في واقع الصراع القاسي. تقرر في مطلع العام 2017 بناء أسس لأنشاء مجتمع خريجي مشروع الروايات والتعامل مع جميع خريجي البرامج الذين يبلغ تعدادهم ما يقارب الألف شخص كمجتمع واحد. يوفر هذا الإطارا للخريجين البيئة المناسبة التي تتيح لهم الالتقاء,التعلم والعمل معا كسفراء للتغيير لنشر رسالة منتدى العائلات.
المشروع مُموّل من بدايته من قِبل USAID و EU.

خريجو المشروع يروون قصصهم

خالد جمعة

أسمي خالد جمعة، وأعمل مستشاراً تربوياً بمدرسة ثانوية في فلسطين، أسكن مخيم العروب للاجئين، قرب الخليل. شاركت في مشروع الروايات التاريخية ضمن مجموعة الصحة النفسية.

كانت مشاركتي في مشروع الروايات التاريخية تجربة قوية جداً بالنسبة لي، حيث لم أظن أبداً أنني سأجلس بفلسطين سوية مع مجموعة إسرائيليين يهود مستعدين للإصغاء ولمناقشة حقوق الشعب الفلسطيني.

تفاجأت إيجاباً من ردود الإسرائيليين المتعاطفة عندما شارك الفلسطينيون بقصصهم الشخصية وبالتجارب الصعبة التي اختبروها على يد جنود الإحتلال.

خلال السيمنار، أجرينا جولتين كجزء من تعلم الرواية التاريخية القومية لدى الطرفين. كانت الجولة الأولى في قرية لفتا التي طُرد أهلها  في العام 1948. وقد أثارت هذه الجولة في نفسي حزناً عميقاً وجعلتني أستذكر الأوصاف والقصص التي كان يحكيها لنا والدي عن قريته، حتا.

أمّا الجولة الثانية في إطار البرنامج فكانت بمتحف “ياد فشيم” في القدس. يروي هذا المكان عن أفعال النازيين باليهود خلال الحرب العالمية الثانية. أحزنني جداً ما رأيت خلال الزيارة، وقد تركت الصور والشروحات فينا، نحن المشاركين، ألماً عميقاً.

أملت وتوقعت من اليهود، بما أنهم هم اليوم أصحاب القوة والتأثير، ألاّ يكرروا أفعال الإضطهاد وقمع الناس مسلوبي القوة. لدي سؤال يدور في خلدي ولا أجد له جواباً، كيف يستطيع شعب مر بهذا الكم الهائل من القمع والتعذيب والتمييز والعنصرية أن يظلم ويمارس التمييز ضد شعب آخر؟

خلال اللقاءات، تعرفت على مجموعة من الإسرائيليين وكونت هناك علاقات ما زالت مستمرة حتى اليوم. عثرت على أشخاص يظهِرون التعاطف الحقيقي ويدعمون حقنا بالعيش بحرية ضمن دولة مستقلة، وليس تحت الإحتلال. إن الزيارات المتبادلة التي أجريناها معاً، نحن أعضاء المجموعة، منحتني الكثير من الأمل بوجود فرصة حقيقية للتعايش لو أنه تُعطى لكثير من الناس إمكانية الإلتقاء والجلوس وجهاً لوجه والتحدث بصراحة وصدق.

زيفا رحميم

أسمي زيفا رحميم من سكان أور يهودا. بعد استلامي دعوة للمشاركة في مشروع الروايات سجلت وقررت المشاركة، ”رب رمية من غير رامٍ”، حيث أنني لم أدخل أبداً إلى عمق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كنت أشعر دائماً بأن الحديث يدور عن صراع أكثر تعقيداً من أن اتخذ أي موقف منه أو حتى أشغل نفسي فيه.

كان اللقاء الأول مع الفلسطينيات، الإصغاء لقصصهن الشخصية، الفقدان الذي تعرضن له، الحزن والضائقة، تجربة ربطتني بهن على الفور.  بعد انتهاء اللقاءات أدركت أني قادرة على الفهم أكثر واستذكرت تدريجياً حالات الحرب التي عشتها في طفولتي، حالات حيّدتها تماماً واختفت من ذاكرتي مع السنين. تذكرت حرب الأيام الستة عندما كنت أركض للإختباء خلال صافرة الإنذار، تذكرت كيف أثر التوتر النفسي في تلك الأيام على حالتي الجسدية، حيث ارتفعت الحرارة وتغلب الإعياء على الخوف. تذكرت في حرب يوم الغفران وعندما التحق أبي وأخوتي الثلاثة بالجيش، كيف سمعت أمي تقول إنها لا تنام الليل وإنها تضطر لتناول حبوب منومة كي تتمكن من النوم. تذكرت كيف وبسبب خوفي وقلقي على أخوتي الثلاثة الذين يحاربون فوق دباباتهم، خرجت إلى الشرفة وطلبت من الله أن يعيدهم على الأقل جرحى. تذكرت كيف انفعلت عندما تلقيت خبر إصابة أحد أخوتي وفقدانه لإحدى عينيه، وتذكرت كذلك أن كل شيء تغير منذ ذلك الحين، حيث انشغل والداي بإعادة تأهيل أخي ونسياني أنا.

كل هذه الأمور جعلتني أفكر بأنه لا يجب انتظار السلام الذي سيصنعه الزعماء في طرفنا وطرفهم، فالسلام المبدئي الأساسي بيننا، نحن النساء في هذا الطرف وذاك الطرف، سيدفعنا خطوة أخرى إلى الأمام على طريق الحل الشامل.

إن الرأفة التي بداخلنا، وكذلك الحساسية والأخوة التي بإمكان النساء التوصل إليها لا تقدّر بثمن. أدعو المزيد من النساء للمشاركة لأننا نحن فقط القادرات.

عيران رئيم

اسمي عيران رئيم. وكلمة رئيم تعني “الكبش” من ناحية ومن ناحية اخرى هي اختصار لاسم الرابي اهرون موشيه، حيث كان حاخاما كبيرا في جيليتسيا (قطاع يقع شرق ووسط اوروبا). جزء من عائلتي احرق في المحرقة ولكن جدي وجدتي هربوا قبل الحرب. انا ابن لعائلة صهيوينة بكل جوارحها. والدي من جهة واحدة كان من مؤسسي شراكة “دان” وجدي من الجهة الثانية كان رئيس مجلس سهل “يزراعيل” خلال سنوات طويلة. جدي شارك في حرب الاستقلال وبعده والدي الذي واصل طريقه وشارك في جميع الحروب. أُصيب والدي مرتين خلال خدمته العسكرية بينما اصيبت اختي من عبوة خلال رحلة. خَدمت في الجيش برتبة قائد فصيل. وحاليا انا متزوج ولدي ثلاثة اطفال، واعمل مدرس للمرحلة الثاناوية. طوال حياتي كنت ضالعاَ في االسياسة وادركت دائما ان مكاننا هنا ولكن بشكل موازي اننا لسنا وحدنا هنا. خدمت كثيراً في الضفة ولكنني لم اتعرف على الفلسطينيين حقاً. وقد ثارت بي الرغبة للجلوس والحديث، والاصغاء، وربما خلق حوار مع الطرف المضاد، وعليه قررت المشاركة في ورشة الروايات مع منتدى العائلات الثكلى.

أتيت الى اللقاءات احمل المخاوف ولكنني احمل الامل ايضاً. في اللقاء الاول جلست على طرف الدائرة، انظر واُمحص كعادتي، في مرحلة معينة جلست بجانب شاب فلسطيني، نظرت اليه، ابتسمت وقلت:”مرحبا، اسمي عيران، انت تبدو لي متعباً” فاجابني بنعم “اسمي طارق، انا من بيت لحم وقد عملت يوم امس حتى ساعة متاخرة”. فجأة ادركت كم ان الامر معقداً وكم انه يمكن ان يكون بسيطاً. كانت اللقاءات مصدراً للتعلم وفتح الاعين، تجربة عميقة ومربكة، صعبة، ومحبطة وتفتح مجالاً لبصيص من الامل. وفي احد اللقاءات المتقدمة تحدثت عن خدمتي العسكرية في الضفة وخصوصا في منطقة الخليل وفي لحظة هاذية حاولنا ان تنذكر اذا ما كنا التقينا سابقا، على حاجز، انا كجندي وهو على الجانب الآخر للمتراس. من الصعب ان تنظر الى شخص بأعتباره عدو عندما تجلس وتتحدث معه بندية. لم نحاول التوصل الى تسوية، لا مرحلية ولا دائمة، ولا حتى ان نقرر من هو على حق وما هو الاصح ولكننا حاولنا ولو للحظة ان ننظر للواقع من خلال عيون الآخر.

عَظمة هذه اللقاءات تكمن في قدراتها على اجراء الحوار، والاصغاء، صحيح ان جُل النجاح في نظري هو في تلك اللحظات الصغيرة الخاصة والثقة التي بنيت عبر اللقاءات الشخصية. والاحساس انه في خضم هذا المحيط من الكراهية والجهل هناك جُزر من الامل، وباننا نحافظ على جذوة الامل والمستقبل.

بمبادرة وتشجيع المنتدى اجتمعنا مجموعة صغيرة من الاسرائيليين والفلسطينيين وقررنا المبادرة بمشروع يُمَكن العائلات والافراد من الطرفين التعرف على بعض على أمل ان يعيشوا ولو قليلاً من التجربة التي عشناها خلال اللقاءات.

اجلس هنا امام الحاسوب في خضم الاحداث التي تجتاح البلاد واشعر بالقلق. قلقاً على المستقبل، قلقاً على العائلة، قلقاً على الاسرائيليين، قلقاً على الفلسطينيين وقلقاً على صديقي طارق من بيت لحم.

سهام أبو عرام

إسمي سهام أبو عرام، أسكن في مدينة يطا قضاء الخليل.

شاركت في مشروع الروايات التاريخية ضمن مجموعة (المهن الحرة)، كانت تجربة جديدة وغريبة بالنسبة لي، قبل مشاركتي كانت هناك الكثير من الحواجز النفسية بيني وبين الشعب الإسرائيلي، إستمعت إلى المجموعة الإسرائيلية وإستمعوا إلينا، تشاركنا مع بعض الألم والأمل، ضحكنا وبكينا سويا.

بزيارتي إلى قرية لفتا المهجرة والحديث عن النكبة الفلسطينية، شعرت بالخوف الشديد والألم الذي ولد معي نتيجة الإحتلال المستمر على شعبي الفلسطيني، كنت كل الوقت أنظر الى الشركاء الإسرائليين عندما كنا بالجولة بالقرية التي إستمرت لأكثر من 3 ساعات، رأيت مدى التعاطف على ما حصل لأهل هذه القرية من تهجير وقتل، وهي قرية من مئات القرى التي هجرت عام 1948.

عندما زرنا متحف (المحرقة) بالقدس وإستمعنا إلى الرواية الإسرائيلية، شعرت بمدى المعاناة التي عاشها الشعب اليهودي من قبل النازيين بتلك الفترة التي لا ذنب لنا فيها كفلسطينيين، التعاطف كان متبادل من الجانبين، وفي اللقاءات المشتركة بعد تلك الجولات كان النقاش حاد جدا ومهم بنفس الوقت للتعرف على قصة الآخر.

هذه التجربة أعطتني الكثير من الأمل لصنع مستقبل أفضل بين الشعبين، الحوار المتبادل هو الشيء الذي ينقصنا بالوقت الحالي ومعرفة الآخر، منتدى العائلات الثكلى الفلسطيني الإسرائيلي أعطانا تلك الفرصة للتواصل والتحدث عن حياتنا اليومية في ظل الصراع المستمر والإحتلال الذي نتمنى أن يزول في أسرع وقت، ونعيش بسلام جنبا إلى جنب.

فوزي سويطي

إسمي فوزي سويطي، أسكن في مدينة دورا قضاء الخليل، أحمل شهادة البكالوريوس في الأدب العربي.

ليس من السهل الحديث عن تجربة تصنع تغيير في حياة الإنسان، ليس من السهل تغيير الصورة ألمرسومة في الذاكرة عبر عشرات السنين، والتي تدعمها وتؤكدها الأحداث على الأرض، ليس من السهل أن تجلس مع الطرف المصنف كعدو في ذاكرتك وفكرك.

بالنسبة لي عشت وتربيت على أن الإسرائيلي عدو ومغتصب وقاتل ومجرم وأنه السبب في كل مصائب حياتنا سواء ما كان له يد فيها او لم يكن، أنا شخصيا عانيت من ظلم وإضطهاد الإحتلال لقد أعتقلت عدة مرات، عانيت فيها من الألم والعذاب والإهانة ومصادرة الحرية، تجارب مؤلمة لا زالت محفورة في الذاكرة من مشاهد الإعتقال من البيت إلى التحقيق والزنازين والسجن والمحاكم العسكرية، التي لا يوجد فيها رحمة أو قانون.

كل ما سبق صنع عندي صورة لإسرائيليين كمجرمين وقتلة، ولكن كان لي شرف حضور لقاءات يقوم على رعايتها منتدى العائلات الثكلى تحت عنوان (الرواية التاريخية) فعلآ حضرت عدد من اللقاءات والمكونة من عدد متساوي من الفلسطينيين والإسرائيليين، ودار النقاش في مواضيع متعددة، وجدت أن الإسرائيلي يحمل راوية مقتنع بها أنه صاحب الحق وأنه ضحية وانه يدافع عن حقه في الحياة.

طبعاً نحن كفلسطينيين تحدثنا عن كوننا أصحاب الأرض المسلوبة وضحايا العنف والإجرام الإسرائيلي، بعد حوارات متعددة خلصت إلى عدد من النتائج:

أولا: أن اللقاء والمواجهة مع الطرف الآخر ضرورة.

ثانيا: أن الصورة التي ترسمها الروايات والإعلام تخفي خلفها صورة مختلفة، صورة لبشر تريد الحياة والسلام والأمان صورة لإنسان يتألم على فقدان عزيز في هذا الصراع الممتد على مدى عقود من السنين.

ثالثا: اللقاء مع الآخر يجعلك ترى صورة الإنسان والإنسانية فيه، هذه الصورة التي غابت وضاعت وتاهت خلف صور العنف والكراهية.

عندما تسمع الحديث عن الألم والمعاناة والأمل أيضاً تشعر أن المتحدثين وكأنه شخص واحد رغم إختلاف اللغة والمعتقد،

عزز اللقاء لدى فكرة قبول الآخر وبما أننا نختلف في عالم الأفكار إلا أننا نلتقي في الإنسانية بكافة تفاصيلها.

بالنهاية أعتقد أن اللقاء مع الآخر وسماعه وبنفس الوقت تقول ما عندك ويستمع إليك تتحدث عن ألمك وتستشعر ألآم الآخرين هذا يصنع القدرة على التغيير.

إستطاعت هذه اللقاءات أن تجعل من أعداء الأمس أصدقاء ويقومون بأعمال مشتركة ضد الإحتلال ويساهمون في نشاطات تخدم الفلسطيني.

بالنهاية وراء الصورة النمطية السلبية للآخر هناك صورة غائبة لمشاعر الألم والمعاناة التي ضاعت في أحداث الصراع، وأثبتت اللقاءات أن التركيز على البعد الإنساني للصراع مهم من أجل أن يتحول الأعداء إلى أصدقاء يقفون في خندق واحد ينادي بالحرية والعدالة للمظلوم.

وأريد أن أقول جملة أخيرة أن الصورة المبنية على السماع هي صورة وهمية وغير حقيقية، وصورة ميدان المعركة تخفي كل الجوانب الإنسانية في الطرف الآخر.

الون سيمون

اسمي الون سيمون، عمري 34، اصلي من كيبوتس نيتسانيم واسكن الان في تل ابيب.

اشتركت السنة في سلسلة لقاءات لمجموعة من الاسرائيليين والفلسطينيين في اطار مشروع الروايات الذي ينظمه منتدى العائلات الثكلى. هدف اللقاءات هو التعرف على الرواية الشخصية والقومية للآخر. ومع الاسف انه في اعقاب موجة العنف الحالية انقطعت اللقاءات ولم يتسنى لنا حتى الأن أن نُجمل العملية التي قمنا بها كمجموعة ونتحدث عن المشاريع المشتركة.

تجربة اللقاء مع الفلسطينين في المجموعة كان لها وجهين مختلفين.

في اللقاء الشخصي، غير الرسمي، الذي جرى في الأساس في الإستراحات بين النقاشات والمحاضرات، حيث تعرفت على أشخاص ودودين، بشوشين، مليئين بالنواية الحسنة. تحدثوا عن رغبتهم في السلام وعن أن كل البشر يرغبون في نفس الشيء، قسم منهم عرض لي صور أولاده في التلفون، والأهم من كل شيء عن رغبتهم في عيش حياة طبيعية- أن يعملوا ويكسبوا رزقهم، ويعيلوا عائلاتهم، وأن يخرجوا لإجازات دون خوف ودون حواجز وإغلاقات.

أما اللقاء في المجموعات كان مختلفاً جداً. حيث وقفنا إسرائيليين مقابل فلسطينيين- قومية مقابل قومية. ومنذ اللقاء الأول كان الجانب الفلسطيني غاضباً علينا. ولم يسعفنا في ذلك أننا كل المجموعة الإسرائيلية يساريين نرغب بإنهاء الإحتلال، ففي المجموعة كنا نمثل الشعب الإسرائيلي على إمتداد أجياله.

لدى معظم الفلسطينين كانت هناك قصص عن تجربة عنف عاشوها من قبل جنود أو مخابرات. كيف تعرضوا للضرب والتحقيق، وكيف تم إعاقتهم وإهانتهم. نحن في المجموعة الإسرائيلية جلسنا وسمعنا القصص، لم نعرف بالضبط كيف نرد. أنا شعرت بأنه ليس لدي ما أقول. وماذا يمكنني أن أقول؟ انا الموجود في الطرف القومي. لديه الحرية في التحرك الى كل مكان، لم أتعرض للإهانة ولم ينكلوا بي؟ حالة المجموعة الإسرائيلية كانت تتحرك بين التعاطف والإحساس بالذنب وبين الغضب والإحباط. غضب على الفلسطينين الذين يعرضون أنفسهم كشعب بريء والإسلام  كدين يسعى للسلام في الوقت الذي تخرج من عندهم عمليات فظيعة. إحباط من عدم التوازن أثناء النقاشات- أحد الأطراف يتحدث عن معاناته ويكيل التهم والطرف الثاني، الإسرائيلي، صامت.

الى جانب الغضب الشخصي للفلسطينين جاء أيضاُ الغضب الفلسطيني القومي، النكبة. في الجولة التي قمنا بها في لفتا، طرحت الصورة وكأن إسرائيل فعلت ما فعلت مع سبق الإصرار، إن كان هذا على مستوى العنف أو على مستوى التخويف، من أجل “تنظيف” أراضي الدولة من سكانها الفلسطينين. وأنها منعت من أولئك الذين طردوا أو هربوا من العودة الى بيوتهم وأن إسرائيل بنت عليها بلدات يهودية.

هذه الجولة زعزعت ثقتي ومعتقداتي. فحتى الأن كنت أؤمن كيساري، بأن إقامة اليهود في داخل أراضي إسرائيل مبرر، في حين أن الإقامة وراء الخط الأخضر عمل غير أخلاقي. وفي أعقاب هذه الجولة أصبحت أخلاقية إسرائيل كلها مشكوك فيها- الدولة التي ولدت وتربيت فيها، والتي حارب أجدادي الإثنان من أجل إقامتها.

هل النتيجة هي ان “بيتح تكفا” هي “المستوطنة الأولى” كما يدعي أحد الفلسطينين في المجموعة، أم أن المستوطنين هم الصهاينة الجدد كما يطرحون أنفسهم؟ أنا لا يمكنني القبول بهذه التنائج، ولا زلت أبحث عن إجابات قوية لهذه الأسئلة.

ما يمكنني قوله هو، بأن الواقع ليس ابيض وأسود كما نحاول رسمه. الناس، من بينهم اليسارين الإنسانيين يميلون الى التمسك بحقيقتهم ويقفلون أذانهم لأراء تخالفهم. هناك خوف من أنه اذا ما اصغينا فعلاً الى رأي يخالفنا فإن الحقيقة ستشرخ وتكسر، الأمر الذي من شأنه أن يتسبب في قبول كامل للرأي المخالف. من الصعب التمسك بمقولة أنني يمكن أن أكون على حق، والشخص الذي أواجهه يمكن أن يكون على حق أيضاً. إذا كان هناك شيئاً تعلمته من هذه اللقاءات هو الرغبة في محاولة التغلب على ردة الفعل الطبيعية والإصغاء بالفعل للشخص المقابل.

قرأت مقالة مقتبس فيها مناحم بيغن يتحدث عن إستخدام كلمة “فلسطين” وهكذا قال:

“إذا كانت هذه أرض إسرائيل، فقد عدنا إليها. وإذا كانت أرض فلسطين فقد غزوناها. إذا كانت أرض إسرائيل، فقد أقمنا سيادة القانون على كل أرضها، وإن كانت فلسطين فإن لا قانونية في سلطتنا على أرضها”.

كنت أود أن أعتمد على هذه النظرة التي قدمها بيغن- إما فلسطين أو إسرائيل. كنت أود أن نعترف نحن الإسرائيلين بالفلسطينين وبألامهم وإحتاجياتهم وأن يعترفوا بنا هم كإسرائيلين وبألامنا وإحتياجاتنا. كنت أود أن يتخلى كل طرف قليلاً عن روايته. لأن الفلسطينين هم بشر مثلنا. وإذا كنت في السابق أعتقد بأن الفلسطينين أخلاقيين أكثر منا أو على حق أكثر منا، لأنهم الطرف الأضعف ويعيش تحت الإحتلال، فأنا لا أفكر كذلك اليوم. فلديهم أيضاً يوجد فساد، وعنصرية، وتحريض، وعنف. مثلما عندنا.
إن كنت سأنهي بنغمة متفائلة- أشعر في أعقاب هذه اللقاءات بأنه يوجد بالفعل من نتحدث معه. ربما أنه ليس من اللطيف أن نسمع كل ما لديه، ولست متأكداّ إن كان بأمكاننا ابداً أن نوافق على أشياء معينة ولكنه قطعاً يوجد في الجانب الفلسطيني شركاء لصنع واقع أفضل هنا، واقع دولتان تعيشان واحدة بجانب الأخرى.

محمد أبو سنينة

أنا محمد أبو سنينة، من مدينة الخليل أسكن بالبلدة القديمة من المدينة، أعمل حارس بنك داخل المدينة وشاركت في مشروع الروايات التاريخية الفلسطيني الإسرائيلي ضمن مجموعة (نريد غدا أفضل).

كنت متشوقا للمشاركة في ذلك المشروع  لعدة أسباب منها، الإستماع لرواية الطرف الإسرائيلي ولكي أروي قصتي ومناقشتها عن قرب ويستمع كل منا للآخر.

في بداية اللقاءات لم نكن ننظر لبعض بالنظرة التفاؤلية، عندما شاركنا قصصنا الشخصية وعن مدى المعاناة من العيش تحت الاحتلال منهم من تعاطف معنا ومنهم لم يستطع الإكمال وإنسحب من المشاركة ومنهم من بقي متشددآ على موقفه.

إشتركنا مع الطرف الآخر بعدة جولات ميدانية، منها التوجه إلى قرية لفتا الفلسطينية المهجرة عام 1948 التي هجر أهلها على أيدي العصابات الصهيونية وقد تعاطف الإسرائيليين معنا لما شاهدوه من صورة لقرية فلسطينية مهجرة لم يبقى من أهلها أحد، لأنه كان واضحا أن أهل القرية أجبروا على ترك بيوتهم رغما عنهم، وإشتركنا أيضا في زيارة لمتحف (ياد فاشيم) الواقع على أرض مدينة القدس المحتلة الذي يروي كيف تم التعامل مع اليهود في أوروبا، خاصة على أيدي النازيين، أحزننا ما رأيناه خلال الزيارة وقد تعاطفنا مع الطرف الإسرائيلي مما شاهدناه من آلام قد حلت بهم وتركت بنا هذه المشاركة أثر أليم.

بما أن المسبب الرئيسي لمعاناة الشعب الإسرائيلي هم النازيين وليس نحن الفلسطينيين، لماذا تعاملنا الحكومة الإسرائيلية وشعبها بإضطهاد وعنصرية وقمع وظلم ضد شعب فلسطيني هدفه الوصول للسلام، هل لأنهم أصحاب القوة في الوقت الحالي.

خلال مشاركتي في مشروع الرواية التاريخية تعرفنا على أشخاص من الإسرائيليين وكونا معهم صداقة ومنهم من نتواصل معهم بشكل دائم ورتبنا زيارات للطرفين، ومنهم من ينشر التجربة التي عاشها بين محيطه للوصول إلى أكبرعدد يؤمن بالسلام والعيش ضمن دولتين مستقلتين وليس تحت الاحتلال.

إن الزيارات واللقاءات التي تمت بيننا وبين الإسرائيليين ضمن مشروع الروايات التاريخية منحتني تفائلا بأن الشعوب هي من تستطيع تقرير مصيرها بايديها وتبعث الأمل بوجود غدا أفضل وإمكانية التعايش والوصول إلى السلام بين الطرفين.


Loading...