للمزيد من القصص

يسرى عبد العزيز محفوظ - "كفى!"

[من خطاب يسرى محفوظ بمراسم يوم الذكرى]

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا يسرى عبد العزيز محفوظ، عائلتي بالأصل من قرية يازور، بالقرب من يافا، والتي هجرت عام ١٩٤٨، ولدت عام ١٩٦١ في نابلس وترعرعت فيها. تعرفت على زوجي محمد محفوظ، وهو بالأصل من قرية عراق المنشية بالقرب من غزة وإسمها الآن كريات جات، في سنة 1948 تم تهجير سكان القرية وإنتقلوا إلى مخيم العروب قضاء الخليل.

وُلد ابني البكر علاء في سنة  1986 في مخيم العروب للاجئين، كان محبوبا لدى الجميع ومتفوقا في دراسته، كما كان خدوما لعائلته. بتاريخ ٦/١٠/٢٠٠٠  كان يوما فاجعيا. كان ذلك يوم جمعة، وعلاء الذي كان يحب وطنه وكان ينتمي لحركة فتح أراد الذهاب للمشاركة في مسيرة جرت في حينه تخليدا لذكرى محمد الدرة، لكن والده كان متشائما في ذلك اليوم وقرر ألا يذهب لصلاة الجمعة حتى لا يشارك علاء بالمسيرة، ظاناً أن الحذر قد يمنع القدر، لكن علاء أصر وتملص من البيت وصعد الى السطح وتسلق من سطح الى سطح حتى وصل الى منطقة المسيرة وشارك بالمواجهات التي دارت هناك ضد جيش الإحتلال الذي كان يحاصر المخيم منذ سنوات، عندما عاد علاء إلى البيت خرجنا كلنا الى الشرفة لنشرب الشاي، ولنتحدث ونهدئ من روعنا قليلا.

جلسنا على شرفة البيت لنشرب الشاي وفجأة سمعنا صراخا في الشارع، وقبل أن نفهم حتى ما الذي يجري، رأيت كأس الشاي الذي كان بيد علاء يتحطم وبدأ الدم يتدفق في كل اتجاه، هرع الشباب نحو صوت صراخنا وحملوه ليذهبوا به الى المستشفى في الخليل، لكن الجيش أوقف سيارة الإسعاف ومنعها من المواصلة، في هذه اللحظات الثمينة واصل الدم بالتدفق.

لقد أصابته الرصاصة إصابة خطيرة، وكان بحاجة الى رعاية طبية غير متوفرة في مستشفى الخليل، فنقل الى مستشفى في المملكة العربية السعودية، حيث مكث هناك 16 يوما في العناية المركزة الى أن شاء الله أن يأخذ روحه الطاهرة، لم يرد أبو علاء أن يُدفن علاء هناك فجلبه إليّ، دُفن علاء في مسقط رأسه في مخيم اللاجئين في قرية العروب.

أجواء الحزن والأسى ملأت بيتنا المتواضع، وكأنه لا يكفينا ما حصل فبعد إستشهاد علاء بفترة قصيرة وصل الجنود في منتصف ليلة باردة إلى بيتنا، وأعتقلوا زوجي، حيث مكث في السجون الاسرائيلية لمدة سنة، بالإضافة الى غرامة مالية، وبعد الإفراج عنه، مرض زوجي بالسرطان، وأصبحت حياتنا لا تطاق.

في الأيام الأولى بعد ألمأساة كان لدي هاجس قوي بالإنتقام، أي أن أفعل شيئا يشفي غليلي، لكن لم أعرف ماذا أفعل. في أحد الأيام زارنا أشخاص من منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي-الفلسطيني‘ وتحدثوا لنا عن المنتدى، في البداية رفضت بشدة ولم أوافق ولا بأي شكل من الأشكال الجلوس وجها لوجه مع العدو الذي قتل إبني، لكن رويدا رويدا بدأت أشارك الى أن أصبحت عضوة نشيطة في المنتدى.

تعرفت على أناس في مثل وضعي، إسرائيليون وفلسطينيون، هذه اللقاءات مع عائلات ثكلى علمتني أن وجعهم يشبه وجعي، فتبدلت إرادة الإنتقام إلى الفهم أنه من الأفضل السعي إلى السلام، وليس الى إستمرار العنف.

اليوم أنا نشيطة في المنتدى، ألتقي بأناس وأسرد قصتي للجميع وأسهم في التقريب بين القلوب.

أتوجه للأمهات الاسرائيليات وأقول لهن، الفقدان هو نفس الفقدان والألم هو نفس الألم. اليوم اكثر من اي وقت مضى يجب ان نعمل معا. وان نربي ابناءنا أن يبتعدوا عن العنف وان يعملوا من اجل السلام – وهكذا سنضع حدا لسفك الدماء! كفى!

نسأل الله أن نعيش كلنا بسلام.

 

 

  • علاء ى عبد العزيز محفوظ
  • علاء ى عبد العزيز محفوظ
  • يسرى عبد العزيز محفوظ
  • يسرى عبد العزيز محفوظ