للمزيد من القصص

ليلى الشيخ - "لماذا كل هذه المحبة بينهم?"

أنا ليلى الشيخ من قرية بتير قضاء بيت لحم، فلسطينية مسلمة وأيضا أم، ولدت وترعرعت في الأردن، عشت حياة هادئة وطبيعية وأنهيت دراستي في المحاسبة وإدارة الأعمال، تعرفت على زوجي في الأردن، في عام 1999 قدمت لبيت لحم لإتمام مراسم الزواج لأن زوجي يسكن فيها، ومثل أي فلسطيني ولد وعاش بعيدا عن وطنه كان هذا بمثابة حلم وتحقق.

رزقنا بمولودتنا الأولى وكانت بنت رائعة وجميلة جدا، بعد مرور شهرين بالتحديد بدأت الإنتفاضة الثانية وكانت هذه بداية الكارثة بالنسبة لي لعدة أسباب، لأنه في تلك المرحلة لم أكن قد حصلت على لم الشمل (الهوية) بعد.

في تلك المرحلة إتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات تعسفية من ضمنها إيقاف إعطاء لم الشمل لأي شخص، وهذا منعني معظم الوقت من الخروج من البيت ومنعني من السفر لرؤية عائلتي في الأردن، زوجي وإبنتي أخذا كل وقتي إلى أن رزقنا الله بعد عام بمولود ذكر أسميناه قصي كان طفل جميل وذكي جدا، وإزدادت سعادتنا كثيرا بقدومه.

لكن للأسف تلك الفرحة لم تستمر، عندما بلغ من العمر 6 شهور بتاريخ 11.4.2002 في الساعة 4 فجرا إستفاق من النوم وهو في حالة مرضية صعبة بسبب إلقاء جنود الإحتلال الغاز المسيل للدموع في القرية، فقمنا على الفور بمحاولة أخذه للمستشفى في بيت لحم، لكن فوجئنا بحاجز عسكري إسرائيلي، قاموا بمنعنا من الدخول بحجة إنها منطقة عسكرية مغلقة، بسرعة حاولنا تغيير المسار وأخذه إلى الخليل مع أن الزمن سيستغرق منا 20 دقيقة لكن مرة ثانية منعنا جنود الإحتلال بحجة أن الطريق مغلق.

فلم يكن أمامنا إلا أن نسلك طريق وعر وطويل بين القرى، فوجئنا بحاجز عسكري آخر قاموا بتفتيش السيارة وفحص هوية زوجي ووالده، أخبرهم والد زوجي بأن الطفل في حالة صحية صعبة ومن المفترض أخذه بالسرعة القصوى للمستشفى، لكنهم طلبوا منا البقاء بداخل السيارة.

كان الوقت يمضي وحالته تزداد سوءا، ففكرت بأن أخاطر وأذهب للتحدث مع الجنود، المخاطرة تكمن في أنهم إذا علموا بعدم حصولي على إقامة للبقاء في فلسطين فإما سيأخذونني إلى السجن أو أن يجعلوني أغادر إلى الأردن بدون عودة، في كلا الحالتين سوف أحرم من أطفالي وزوجي، لكن همي كان في تلك اللحظة هو أن أنقذ طفلي فقط، ذهبت وتحدثت معهم وأخبرتهم بحالته فقاموا بالضحك علي وطلبوا مني البقاء بالسيارة حتى يأذنوا لنا، كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بالعجز الكامل، إبني يصارع الموت بين يدي وأنا لا أستطيع فعل شيء له.

بعد 4 ساعات من الحجز سمحوا لنا بالمرور، بعد أن وصلنا إلى المستشفى قام الأطباء بفحصه، أخبرونا أنه وصل متأخرا جدا وإنه إذا مضت 48 ساعة ولم يمت فسوف يصبح معاق عقليا وجسديا، في تلك اللحظة بدأت بالبكاء وشعرت بأن المبنى إنهار فوق رأسي فكلا الخيارين مر، عند الساعة 2 عصرا طلب منا أن نغادر المستشفى لأن جنود الاحتلال يأتون ويطردون أي شخص ليس له داعي للبقاء، وبحجة أن ابننا في العناية المكثفة سوف يطلبوا منا المغادرة، كانت حجة جنود الإحتلال هو أن بعض المسلحين ممكن أن يختبؤا بداخلها.

بالفعل غادرنا ووصلنا البيت في المساء وعلى الفور توجهت لبيت والد زوجي وتحدثت الى الطبيب الذي بدأ بشرح وضعه الصحي شعرت بتلك اللحظة بأن الطبيب بدأ البحث عن مفردات خاصة ليقول لي شيء، في داخلي لم أريد أن أصدق ما يقول فأعاد كلامه مرتين، ولكني أيقنت بتلك اللحظة أن إبني قد أستشهد.

في اليوم التالي أحضروا إبني لإلقاء لحظة الوداع الأخير عليه، وبسرعة حملته بين ذراعي لأني كنت مشتاقة له جدا فلقد كانت المرة الأولى التي يبتعد فيها عني منذ لحظة ميلاده، رفعت عنه البطانية الخاصة به فصعقت عندما رأيته، لونه قد تحول الى الأزرق، بسرعة وبدون تفكير حاولت أن أقبله كما أفعل عادة لكن تلك المرة كانت جدا مختلفة، لقد أحسست بأنني أقبل صخرة مثلجة، بدون وعي ضممته بقوة إلى صدري لكي أدفئه ولأنني إعتقدت بأنه من الممكن أن تحدث معجزة ويعود إلى الحياة، لكنها كانت آخر اللحظات بيننا.

منذ تلك اللحظة تبدلت حياتنا وإنقلبت رأسا على عقب، إمتلأت كرها وغضبا تجاه كل إسرائيلي لأنهم جميعا بالنسبة لي كانوا مسؤولين بطريقة ما عن وفاته، بدأت التفكير بأن الإسرائيليين لديهم حجة دائما بأن سبب قتلهم أو إعتقالهم لأي فلسطيني هو أنه قد رمى عليهم الحجارة أو قام بعملية فدائية ضدهم، لكن إبني الذي لم يتجاوز ال 6 شهور ما كانت تهمته بالنسبة إليهم؟؟؟؟ وكنت أجيب نفسي بأن جريمته الوحيدة أنه فلسطيني.

لم أفكر مطلقا بالإنتقام ولكن أيضا لم أفكر بالمسامحة، وبدأت الخلافات بيني وبين زوجي لأنه وبعد فترة بدأ بإقناعي بأن ننجب طفل آخر، كنت أرفض بشدة، قلت له: لماذا تريد مني أن أحصل على طفل مجددا؟؟؟ إذا كانت نهاية حياته معروفة من قبل قدومه، لأنه وبطريقة ما سوف يكون جزءا من هذا الصراع الذي لا ينتهي، وهناك إحتمالان فقط، إما أن يدخل السجن أو أن يستشهد، لكن مع الإصرار رضخت ورزقنا بمولود ذكر أسميناه نفس الإسم (قصي) لتبقى ذكراه إلى الأبد ويذكرني دائما بما حدث.

تمت دعوتي من قبل أحد الأصدقاء لمؤتمر في بيت لحم لمنتدى العائلات الثكلى، في البداية رفضت وبشدة، إلى أن جاء يوم المؤتمر وإتصل بي وقال لي أين أنتي نحن بإنتظارك، وصلت القاعة التي يعقد بها المؤتمر، في البداية لم يكن إلا فلسطينيون، بدأت بالتعرف إليهم حتى وصل الإسرائيليون، عندما رأيتهم يهمون بالدخول لتلك القاعة وقفت لكي أغادر ولكني تفاجأت بحفاوة الإستقبال من الفلسطينيين لهم، قلت لنفسي لماذا كل هذه المحبة بينهم?

قاموا بسرد قصصهم تفاجئت جدا لأن تلك كانت المرة الأولى التي أراهم كأناس ثكلى مثلي، نتشارك نفس الألم ونفس الدموع، قررت الإشتراك بأحد البرامج والذي يدعى سرد الرواية التاريخية وبالفعل شاركت، كانت مجموعتنا عبارة عن 30 إمرأة فلسطينيات واسرائيليات.

طلب منا كأول نشاط أن نتحدث عن شيء أثر في حياتنا خلال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كانت تلك المرة الأولى التي أتحدث بها عن إستشهاد إبني أمام عدد كبير من الأشخاص وبالذات الإسرائليين، شعرت أنني أعيش تلك اللحظات مجددا فبدأت بالبكاء ولم أستطع إكمال القصة.

تفاجئت بقدوم سيدة إسرائيلية وجلست على الأرض أمامي وقالت أنا أعتذر، نظرت إليها بإستغراب، فقالت: أنا أعتذر منك لكون الأشخاص الذين ألحقوا الضرر بإبنك وعائلتك هم من شعبي، وأنا أيضا أم وأستطيع أن أشعر بالألم الذي تتحدثين عنه.

تلك السيدة لم تعلم أنها وبكلماتها البسيطة قامت بتغييرعالمي كله، كلماتها كانت وكأنها ضوء صغير آتى من مكان مظلم لينير تلك العتمة ويفتح آفاق جديدة، منذ تلك اللحظة إتخذت قرار بأن أصبح عضوة فعالة في المنتدى، وكان هذا القرار من أهم القرارات المهمة في حياتي.

أصبحت أنظر إلى نفسي كناجية وليس كضحية، بدأت التفكير كم هو سهل علينا أن نتكلم عن السلام والمصالحة ولكن الأهم من ذلك أن يكون ذلك قرار نابع من القلب والعقل، عندما نشعر بالكره أو الغضب ذلك الشعور يجعل على أعيننا وقلوبنا غشاوة تمنعنا من التفكير الصحيح.

  • قصي
  • قصي
  • قصي
  • قصي
  • ليلى الشيخ - في ندوة منظمات السلام
  • ليلى الشيخ - بعد لقاء حواري